محمد أبو زهرة
1288
زهرة التفاسير
تأكيد لقوله : لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ ، وزيادة تشنيع عليهم ، وتسجيل بالكذب ، ودليل على أنهم لا يعرّضون ، ولا يورون ، وإنما يصرحون بأنه في التوراة هكذا ، وقد أنزله اللّه تعالى على موسى عليه السلام كذلك ؛ لفرط جراءتهم على اللّه تعالى ، وقساوة قلوبهم ، ويأسهم من الآخرة . وقد سجل سبحانه وتعالى عليهم الكذب بقوله سبحانه : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في هذه الجملة السامية بيان مقدار جرأتهم في الباطل ، وكذبهم على الحق ، فهم يكذبون على اللّه ، وهم يعلمون أنهم كاذبون . وقد أكد سبحانه وتعالى شناعة تصرفهم وتبجحهم بأربعة مؤكدات : أولها : أن كذبهم لم يكن تعريضا ، ولا بلسان الفعال ، بل كان بالقول الصريح . وثانيها : أن المفترى عليه هو اللّه سبحانه وتعالى ، فهم لا يفترون على بشر مثلهم ، ربما لا يعلم افتراءهم عليه ، بل إنهم يكذبون على علام الغيوب الذي يعلم ما تنطق به الألسنة وما تكنه القلوب ، وإذا كانوا ينكرون علمه واطلاعه ، فقد كفروا بهذا الإنكار قبل أن يكفروا بهذا البهتان . وثالثها : أنهم يعلمون الحق ، وينطقون بالباطل ، ويعلمون حكم اللّه تعالى ، ويكذبون عليه ، ويتقولون الأقاويل ، وهم يعلمون أنها غير صادقة . ورابعها : أنه أكد علمهم بذكر الضمير ، في قوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، أي : هم بأعيانهم وأشخاصهم يعرفون كذبهم ، وذلك هو الضلال البعيد . وإن أعظم فرية افتراها بعض أهل الكتاب هي ادعاؤهم أن بعض النبيين دعوهم إلى أن يعبدوهم من دون اللّه تعالى ، أو يتخذوهم أربابا ، ولقد أشار اللّه سبحانه وتعالى - إلى هذه الفرية العظيمة ببيان أنها غير معقولة في ذاتها ، وأعظم الافتراء ما كان منافيا لطبيعة من ينسب إليه ؛ ولقد قال تعالى في بطلان هذه